أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
317
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بالعقل ، لأن مدار ما تقدم عليه ، والثالثة بالتذكر ، لأنه نتيجة ما تقدم ، وجمع آيات في الثانية دون الأولى والثالثة ، لأنّ ما نيط بها أكثر ، ولذلك ذكر معها العقل . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 14 إلى 16 ] وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) قوله : مِنْهُ لَحْماً . يجوز في « مِنْهُ » تعلقه ب « لِتَأْكُلُوا » وأن يتعلق بمحذوف ، لأنه حال من النكرة بعده ، و « من » لابتداء الغاية ، أو للتبعيض ، ولا بد من حذف مضاف ، أي : من حيوان ، و « طَرِيًّا » فعيل من طر ويطر وطراوة ، ك « سرو ، يسرو ، سراوة » . وقال الفراء : « يقال طري يطرى طراوة وطراء ، مثل : شقي شقاوة وشقاء ، والطّراوة ضدّ اليبوسة ، أي : غضّا جديدا ، ويقال : طرّيت كذا ، أي : جدّدته ، ومنه : الثّياب المطرّاة ، والإطراء : مدح تجدّد ذكره ، وأمّا طرأ بالهمز فمعناه طلع . قوله : « حِلْيَةً » اسم لما يتحلّى به ، وأصلها الدلالة على الهيئة ، كالعمّة ، والخمرة . و « تَلْبَسُونَها » صفة ، و « مِنْهُ » يجوز فيه ما جاز في « مِنْهُ » قبله . وقوله : « وَتَرَى » جملة معترضة بين التعليلين ، وهما « لِتَأْكُلُوا » ، و « لِتَبْتَغُوا » ، وإنما كانت اعتراضا ، لأنه خطاب لواحد بين خطابين لجمع . قوله : « فِيهِ » يجوز أن يتعلق ب « تَرَى » ، وأن يتعلق « بمواخر » ، بمعنى سواق ، وأن يتعلق بمحذوف ، لأنه حال من « مَواخِرَ » . أو من الضمير المستكن فيه . و « مَواخِرَ » . جمع ماخرة ، والمخر : الشّق ، يقال : مخرت السّفينة البحر ، أي : شقّته تمخره مخرا ومخورا ، ويقال للسفن بنات مخر وبخرة بالميم والباء ، بدل منها . وقال الفراء : « هو صوت جري الفلك » ، وقيل : صوت شدّة هبوب الرّيح ، وقيل : نبات مخر لسحاب ينشأ صيفا ، وامتخرت الرّيح واستمخرتها ، أي : استقبلتها بأنفك . وفي الحديث : « استمخروا الرّيح واعدّوا النّبل » . يعني : في الاستنجاء ، والماخور : الموضع الذي يباع فيه الخمر . « وَتَرَى » هنا بصرية فقط . قوله : « وَلِتَبْتَغُوا » فيه ثلاثة أوجه : عطفه على « لِتَأْكُلُوا » وما بينهما اعتراض كما تقدم ، وهذا هو الظاهر . ثانيها : أنه عطف على علة محذوفة ، تقديره : لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا ، ذكره ابن الأنباري . ثالثها : أنه متعلق بفعل محذوف ، أي : فعل ذلك لتبتغوا ، وفيهما تكلف لا حاجة إليه . قوله : . . . أَنْ تَمِيدَ . . . . أي : كراهة أن تميد ، أو لئلا تميد . قوله : وَأَنْهاراً عطف على « رَواسِيَ » لأن الإلقاء بمعنى الخلق . وادعى ابن عطية : أنه منصوب بفعل مضمر ، أي : وجعل فيها أنهارا . وليس كما ذكره ، وقدّره أبو البقاء : وشق فيها أنهارا ، وهو مناسب . « وَسُبُلًا » ، أي : وذلل ، أو وجعل فيها طرقا . وَعَلاماتٍ .